و يبقى الأمل ..

الجزء الأول
بقلم : - JO الأردن - 29 يناير 2017 - على الغصن : أدب وفن
مجموع القراءات : 496 قراءة - عدد التعليقات : 0 تعليق
قصة قصيره بعنوان : "و يبقى الامل" الجزء الأول

بين أوراق الحنون الحمراء المتناثرة فوق خضار العشب، وبين تلك التي تحملُها الرياحُ لتسلّم على رفيقتها: (الزيتونة)، بين البيوت الصغيرة المجاورة للدجاج والغنم، كانت هناك، تتناولُ فطورَها المعتاد : (البندورة، الزّعتر، الزّيت و اللّبنة).

هي عائلةٌ صغيرة تتكوّن من أب (محمّد) وزوجه (فاطمة) في ذروة فرحهما بتزويج وحيدهما (عرب)من ابنة عمّه (عروبة) .

لم يمرّ وقتٌ طويلٌ وإذ بفرحتهم تملأ كونهم، باكتشافهم حَمْلَ عروبة، فكانت فرحةٌ يعجزُ القلم عن وصفها، لكنها كانت و كان فعلٌ ماضٍ ناقص لا وجود له الآن .

و في ليلة حالكة الظلام، حان موعد ولادة عروبة، وبدأت الآلامُ تنهشُ فيها، لكنَّ زوجَها لم يكنْ معها في أوقاتها العصيبة، بل كان في طريقه عائدًا من عمله، أما محمّد فقد كان في مقهًى يشربُ الشايَ مع أقرانه .
و بين صرخات عروبة وعويلها، وتوتّر فاطمة، تنضم أصواتٌ أخرى للسّاحة، أصواتُ بكاء بين طيّاتها أملٌ وألمٌ، نعم، فقد انتهت معاناةُ عروبة و بدأت فرحتُها بطفليها.

مع تلك الضّجّة العارمة، بدأت تنزلقُ دقّات الباب لآذان من في المنزل، لكنها كانت دقّاتٌ قويّة متتابعة، لم يتحمّلْ باب المنزل تلك الدقّات، فلم يكنْ معتادًا بعدُ على الألم والظلم، ليكون انكساره أولى ردّات الفعل .

في تلك الأثناء ، كان عرب قد لقيَ حتفَهُ مغدورًا من وراء ظهره، تاركًا وراءَه فرحةَ رؤية أبناءه.
أما بالنسبة للباب الذي كُسرَ ، فقد كان خائنًا في عيون العائلة، ضعيفًا هزيلاً في عيون أمثاله لا يملكُ ما يفعلُه .
لكنَّ سقوطَه كان طريقًا لمحتلّ شرس سَهْلَ السلوك، فقد دخلُوا و بمخالبهم بندقيّات شوّهَتْ أجسادًا بريئةً، وغادرُوا كأنَّ شيئًا لم يكُنْ .

أمّا بالنّسبة لمحمّد ، فقد كان في تلك الأحيان في طريقه للبيت، وهو يرسمُ في مخيّلته صورًا لعشاء رائع، بصحبة عائلته الصغيرة التي على وشك أن تصبحَ كبيرة، اقترب من بيته، ليركّزَ نظرَهُ على بابه المفتوح بل المكسور قائلاً في نفسه : قد يكونُ مخلوعًا وعرب يصلحُ به الآن . اقتربَ أكثر، لكنَّهُ لم يجدْ عرب عندَ الباب كما ظنّ، بل وجدَ طبعَ أحذية من الدماء خارجة من بيته، سقطتْ منهُ عكازه، وبدأَ يقتربُ شيئًا فشيئًا و هو يرتجفُ خائفًا مما سيرى .

أولُ ما رأى كانت زوجه غارقة بدماءها و بآخر أنفاسها، رفع رأسها بيدَيْه المرتجفَتَيْن ، لكنّها لم تشعرْ بوجوده، ولم تتفوَّه سوى بالشَّهادتَيْن .
اتَّجَهَ نحوَ عروبة، ليَجِدَها قد غادرَتْ بيتَها وحياتَها، وبجانِبَها طِفْلَيْن عاريين، طفلٌ جرحُهُ أكبرُ من جسدِه، و الآخرُ نائمًا بين بحورِ الدمِ .

جلسَ متحسّرًا على تأخُّرِه، وتمنّى لو أنَّهُ استشهدَ معَهُم، جلسَ و الجيران يمُرُّون بجانبِهِ دونَ شعورِهِ ، ويحمِلونَ الجثَثَ المبتسِمة، جلس ولحيتهُ قد اغرورقَتْ بالدُّموعِ، جلسَ و هو يودُّعُ كلَّ الصُّور و الرُّسومات التي تخيَّلها أثناءَ عودَتِه .

و إذ بصوتٍ فرحٍ يوقِظُهُ من حزْنِهِ، ( هلمُّوا ، هلمُّوا ، يبدو أنَّ هذا الطفل حيّ ) ، لم يصدّق محمّد ما قيل واستمرَّ بجلوسِه يحدِّثُ نفْسَهُ : كيف يكونُ حيًّا و قد دخل المحتلُّ و خرجَ من عندَه ؟ فإنَّه كالجراد يستأصلُ كل أثرٍ للحياةِ . لكنَّ الطفل لم يعجِبْهُ قنوط جدِّهِ من رحمةِ الله ، فبدأ بالبكاءِ طالبًا و مناديًا جدَّهُ ليرْجِعَ عن خطئِه .

فزعَ الجدُّ لبكاءِ طفْله، وحضنَهُ بشدَّةٍ و رحمةٍ حامدًا ربَّهُ على هذه المعجزة ومستغفرًا لذنبه . بقيَ على حالِه لا يفلتُ الطِّفلَ من يديه حتَّى طلوع الفجرِ ليرْجعَ اليأسُ والحزنُ إلى قلبِه بسماعِ أناسٍ يسألون عن عائلةِ شهيد، فقام من مكانِه و هو لا يدري لمَ قادتْهُ قدماهُ لتلك الجثَّة ، لكنَّهُ تابعَ مسيرَهُ ليرى ابنَهُ رافعًا سبَّابته ، بين كل شبرٍ من جسدِهِ جرح ،فاندفعَ إليهِ ليجْمعَ دماءَهُ مع دماءِ أهلِهِ في ملابسِهِ، لعلَّهُم يرْجعونَ للحالِ التي كانوا عليها في جنَّاتِ النَّعيمِ .

مات عرب، وماتت عروبة، ولم يبقَ لهم صوتٌ ولا صدى، لم يبقَ منهم سوى بقعِ دمائهم على ذلك القميص تمامًا كبقعِ الحبرِ التي وقَّعوا بها على أوراقٍ بينهم وبين سببِ الألمِ والحزنِ : الاحتلالُ .

0
No votes yet

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.